نجم الدين الكبرى

42

فوائح الجمال وفواتح الجلال

تلك هي اللحظة التاريخية الدامية التي استشهد فيها نجم الدين ، وهذه هي واقعة استشهاده كما رواها ابن العماد ، المؤرخ المعتمد . وقد زاد بعضهم في هذه الواقعة أشياء ، منها قولهم إنه حين مات نجم الدين ، كان قابضا بيده على خصلة من شعر مقاتل مغولى ، ولم يتمكنوا من تخليص المغولي من يده إلا بقطع الخصلة ؛ وإلى ذلك يشير جلال الدين الرومي - الذي انتسب والده للطريقة الكبروية - بقوله : نحن قوم نشرب خمر الإمام الصافية بإحدى اليدين ، ونمسك بضفيرة الكافر بثانية الكفين « 1 » . . كما جمع بعضهم ، بحساب الجمّل « 2 » ، مجموع كلمة « حقيقة » فكان 618 ، ومجموع كلمة « منصور كبرى » فكان أيضا 618 وهي سنة وفاة الشيخ « 3 » . فإذا عدنا لواقعة استشهاد نجم الدين كما رواه المؤرخون المعتمدون ، وبعيدا عن تلك الإضافات التي وضعها الصوفية المتأخرون ، لوجدنا مجموعة من التساؤلات التي تثيرها لحظة الاستشهاد العارمة هذه : هل أراد الشيخ بموته على هذا النحو ، أن يحقّق قدرا مكتوبا ؟ أم تراه أراد أن يضرب للمسلمين مثلا في عدم الخوف من الموت وفي الاقتحام الذي آخره الشهادة ؟ . . ولماذا كان الشيخ يرقص وهو يموت ؟ هل هي نشوة الاقتراب من اللّه بمفارقة الدنيا ؟ أم هي الفرحة الروحية بالخروج من أسر الخوف ؟ أم هو ذلك المعنى الذي سيشير إليه جلال الدين الرومي من بعده ، حين قال : لا يفنى في اللّه من لم يعرف قوة الرقص ! وأيّا ما كان : فها هو نجم الدين يعلّمنا كيف نموت ميتة مجيدة .

--> وقد بدأ ابن الأثير هذا الفصل « ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام » بقوله : لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها ، كارها لذكرها ، فأنا أقدّم رجلا وأؤخر أخرى ، فمن يسهل عليه أن يكتب نعى الإسلام والمسلمين ، ومن يهون عليه ذكر ذلك ؟ فياليت أمي لم تلدني ، ويا ليتني متّ قبل حدوثها وكنت نسيا منسيّا . . ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدى نفعا ( الكامل 12 / 358 ) . ( 1 ) الموسوعة الصوفية ص 337 ، ولم يذكر المؤلف المصدر الذي اعتمد عليه في ذكر هذا الخبر . ( 2 ) انظر المقصود بحساب الجمل في هامش تعليقنا على النص المحقق ص 225 . ( 3 ) ميرزا محمد على مدرس : ريحانة الأدب 6 / 143 .